المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : يرسل السماء عليكم مدرارا


الفيصل
05-03-2008, 12:23 AM
يرسل السماء عليكم مدرارا

حسين بن قاسم القطيش


الحمد لله المعطي بلا امتنان، نحمده على نعمه، ونشكره على فضله وجوده، يعطي من سأله, ويجيب من دعاه, ويسقي من استسقاه، سبحانه ما أحلمه على عباده وأكرمه شرهم إليه صاعد وخيره إليهم نازل، والصلاة والسلام على الرحمة المهداة والنعمة المسداة، محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن وآلاه. أما بعد:
إن القحط الذي يُصب الناس في أي زمن من الأزمان، أو أي بلد من البلدان إنما ذلك بسبب الذنوب والعصيان، فكثرة الذنوب -وما أكثرها- تمنع القطر من السماء، وينزل بسببها العقاب من رب الأرض والسماء، جاء في الأثر عن ابن عباس : " لا ينزل بلاء إلا بذنب ولم يُكشف إلا بتوبة", فالتوبة سبب في رفع القحط عن العباد؛ لأن التائب يقلع عن الذنوب ويندم على فعلها فيكسب رضاء الله، فيغدق عليهم الله من رحماته وينزل عليهم من بركاته، والله- عزوجل- لا يؤخذ الناس بذنوبهم كلها {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ}([1])، وإنما ببعض ما كسبوا : {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}([2]).

فإرسال السماء بالغيث من الله –عزوجل- مرتبط بالتوبة والاستغفار قال الله –تعالى-: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً}([3]) يقول الإمام ابن كثير-رحمه الله- في تفسيره:" أي: ارجعوا إليه وارجعوا عما أنتم فيه وتوبوا إليه من قريب، فإنه من تاب إليه تاب عليه، ولو كانت ذنوبه مهما كانت في الكفر والشرك. ولهذا تستحب قراءة هذه السورة في صلاة الاستسقاء لأجل هذه الآية. وهكذا روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: أنه صعد المنبر ليستسقي، فلم يزد على الاستغفار، وقرأ الآيات في الاستغفار ومنها هذه الآية {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} ثم قال: لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء التي ستنزل بها المطر"([4]). فالتوبة والاستغفار والرجوع إلى الله وترك الذنوب سبب في إرسال القطر من السماء، يقول الإمام الطبري-رحمه الله-: "فإنكم إن آمنتم بالله وتبتم من كفركم به، أرسل قَطْر السماء عليكم يدرَّ لكم الغيثَ في وقت حاجتكم إليه، وتحَيَا بلادكم من الجدب والقَحط"([5]). ويقول الشوكاني –رحمه الله-: " فيه استحباب الاستكثار من الاستغفار؛ لأن منع القطر متسبب عن المعاصي والاستغفار يمحوها فيزول بزوالها المانع من القطر"([6]). فالاستغفار يستنزل به المطر للآية السابقة، ويمحى به الذنوب كما روى حذيفة ابن اليمان -رضي الله عنه-عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (الاستغفار ممحاة للذنوب)([7]).

قال الأوزاعي- رحمه الله-: "خرج الناس يستسقون، فقام فيهم بلال بن سعد فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: اللهم إنا سمعناك تقول: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} وقد أقررنا بالإساءة، فهل تكون مغفرتك إلا لمثلنا؟! اللهم اغفر لنا وارحمنا واسقنا! فرفع يديه ورفعوا أيديهم فسقوا([8]). وهكذا كلما تاب العباد وأنابوا إلى ربهم ورجعوا إليه بصدق وإخلاص أعطاهم الله ما سألوا، واستجاب لهم دعاءهم، يقول سيد قطب -رحمه الله- بعد أن ذكر الآيات في سورة نوح : "وقد ربط بين الاستغفار وهذه الأرزاق. وفي القرآن مواضع متكررة فيها هذا الارتباط بين صلاح القلوب واستقامتها على هدى الله، وبين تيسير الأرزاق، وعموم الرخاء . . جاء في موضع : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} وجاء في موضع : { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ..} وجاء في موضع : {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ...} وهذه القاعدة التي يقررها القرآن في مواضع متفرقة، قاعدة صحيحة تقوم على أسبابها من وعد الله، ومن سنة الحياة؛ كما أن الواقع العملي يشهد بتحققها على مدار القرون. والحديث في هذه القاعدة عن الأمم لا عن الأفراد . وما من أمة قام فيها شرع الله ، واتجهت اتجاهاً حقيقياً لله بالعمل الصالح والاستغفار المنبئ عن خشية الله . . ما من أمة اتقت الله وعبدته وأقامت شريعته ، فحققت العدل والأمن للناس جميعاً ، إلا فاضت فيها الخيرات ، ومكن الله لها في الأرض واستخلفها فيها بالعمران وبالصلاح سواء"([9]).

فالاستغفار والإكثار منه، سبب رئيسي في جلب الخيرات، ونزول البركات، وهذه سنة الله فمن تاب إليه واستغفره ورجع وأناب، أرسل عليه بركات السماء، وأخرج له خيرات الأرض.

إن دعاء الله –عزوجل- واستسقاءه وطلب السُقيا منه أمر مشروع فقد كان النبي- عليه الصلاة والسلام- إذا أجدبت الأرض وعم القحط رفع يديه إلى السماء يستسقي، فعن أنس قال كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يخطب يوم الجمعة فقام الناس فصاحوا فقالوا يا رسول الله! قحط المطر, واحمر الشجر, وهلكت البهائم فادع الله أن يسقينا. فقال" اللهم اسقنا اللهم اسقنا" قال وايم الله ما نرى في السماء قزعة من سحاب فانشأت سحابة فانتشرت ثم أمطرت ونزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فصلى وانصرف فلم تزل تمطر إلى الجمعة الأخرى, فلما قام النبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب صاحوا فقالوا يا رسول الله! تهدمت البيوت وانقطعت السبل فادع الله أن يحبسها عنا فتبسم نبي الله -صلى الله عليه وسلم- ثم قال: "اللهم حوالينا ولا علينا" فتقشعت عن المدينة فجعلت تمطر حولها وما تمطر بالمدينة قطرة فنظرت إلى المدينة كأنها لفي مثل الإكليل"([10]) وجاء عن سالم بن عمر عن أبيه قال ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على المنبر يستسقي فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب فاذكر قول الشاعر:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل([11]).

فالإقلاع عن المعاصي، والتوبة إلى الله ينبغي أن تكون فيمن يدعون الله ويطلبونه السُقيا فقد جاء عن شهر بن حوشب: «أن عيسى بن مريم -عليهما السلام- خرج يستسقي وخرج بالناس، فقال لهم : من كان منكم أذنب ذنباً فليرجع ، فجعل الناس يرجعون حتى لم يبق معه إلا رجل أعور، فقال له عيسى -عليه السلام- : أما أذنبت قط، فقال : نظرت بعيني هذه مرة واحدة إلى ما لا يحل لي ففقأتها، فقال له عيسى عليه السلام : ادع الله عز وجل وأنا أؤمن ، فدعا وأمن عيسى -عليه السلام- فسقاهم الله عز وجل »([12]).

وعن حدير بن كريب ، أن عبد الملك بن مروان أرسل إلى روح بن زنباع : «كيف تقول إذا قحطت السماء ؟ قال : يقولون : اللهم الذنب الذي حبست عنا به القطر ، فإنا نستغفرك منه ، فاغفر لنا ، واسقنا الغيث ثلاث مرات ».
اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا.
اللهم أغثنا يا مغيث، اللهم أغثنا يا مغيث، غيث الإيمان في قلوبنا وغيث الرحمة في أوطاننا.
اللهم أغثنا غيثا هنيئا مريئاً غدقا مجللا سحا طبقا دئما عاما نافعا غير ضار، اللهم لتسقي به العباد وتغيث به البلاد.

فجر الأماني
05-03-2008, 01:40 PM
جزاااك الله خير الفيصل
موضووع رائع

خجوله
05-03-2008, 05:31 PM
يسلمو خيوو موضوع رائع

¨°•√♥ بنت الاصول ♥√•°¨
05-03-2008, 10:57 PM
أخرج ابن ماجه والبيهقي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا معشر المهاجرين ، خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن ، لم تظهر الفاحشة في قومٍ قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا ، ولم يَنْقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم ، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ، ولولا البهائم لم يمطروا ، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم ، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم) .
وقد جاء في هذا الحديث أمران بهما يمنع القطر من السماء, و يحصل الجدب والقحط في الأرض .
الأمر الأول: لم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين, والأخذ بالسنين أحد أنواع البلاء والعذاب, كما قال تعالى عن عذاب آل فرعون في الدنيا: (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذّكرون) .
ما هو نقص المكيال والميزان؟ نقص المكيال والميزان هو التطفيف, فإن كان الأمر له استوفى حقه بالكامل, وإن كان الأمر لغيره بخسه حقه .
وهذا الأمر من أسباب شدة المؤنة لأنه صلى الله عليه وسلم قال : ((إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجَوْر السلطان)) ولا يقف قول النبي صلى الله عليه وسلم في نقص المكيال والميزان عند هذا الحد, بل يتعدى إلى ما يحصل في زماننا من سرقات أموال المسلمين, والتزوير والاختلاس ، وغش الناس في معاملاتهم ، فإذا دخلت السوق وجدت البائع يَغُش المشتري ، فيجعل الرديء من السلعة في الأسفل, ويجعل الحسن في الأعلى، والله المستعان.
ثم قال صلى الله عليه وسلم : (ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء) .. هذا هو السبب الثاني لتأخر نزول الغيث من السماء , يكنزون الأموال ولا يخرجون حق الله فيها, وإن أخرجوا, أخرجوا دون ما أمر الله به, فترى بعضهم أمواله بالملايين ويخرج بضعة آلاف ظنًا منه أن هذه تغني عن الزكاة ولا يتحرى في زكاة ماله .
لم يا عبد الله .. لم هذا البخل؟ لم هذا الكنز للمال؟ أما سمعت قول الله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم( .
أتعرف ما هذا العذاب الأليم؟ (يوم يُحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون) .
ثم قال صلى الله عليه وسلم :( ولولا البهائم لم يُمَطروا ) ، أي ولو نزلت قطرات المطر, وغيث السماء ما كان ذلك إلا للبهائم, ولولا البهائم لم ينزل الله المطر , فالمطر ليس لهؤلاء العصاة المصّرين على معاصيهم, الذين لا يقلعون عنها, إنما هو رحمة بالبهائم العجماوات . وقد تهلك البهائم بسبب معاصي بني آدم .

المذهلة
05-04-2008, 07:55 AM
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

بروفيسورة الوفا
05-14-2008, 09:16 PM
موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .